الغزالي
398
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
المسلمين ، وهو يتكل عليه ، ويظن أن أكل ألف درهم حرام ، يقاومه التصدق بعشرة من الحرام أو الحلال . وما هو إلا كمن وضع عشرة دراهم في كفّة ميزان ، وفي الكفة الأخرى ألفا ، وأراد أن يرفع الكفة الثقيلة بالكفة الخفيفة . وذلك غاية جهله . ومنهم من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه ، لأنه لا يحاسب نفسه ، ولا يتفقد معاصيه ، وإذا عمل طاعة حفظها واعتدّ بها كالذي يستغفر اللّه بلسانه ، أو يسبح اللّه باليوم مئة مرة ، ثم يغتاب المسلمين ، ويمزق أعراضهم ، ويتكلم بما لا يرضاه اللّه طول النهار من غير حصر وعدد ، ويكون نظره إلى عدد سبّحته أنه استغفر اللّه مئة مرة ، وغفل عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبه لكان مثل تسبيحه مئة مرة أو ألف مرة ، وقد كتبه الكرام الكاتبون ، وقد أوعده اللّه بالعقاب على كل كلمة ، فقال : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ « 1 » . فهذا أبدا يتأمل في فضائل التسبيحات والتهليلات ، ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة المغتابين ، والكذابين ، والنمامين ، والمنافقين الذي يظهرون من الكلام ما لا يضمرونه ، إلى غير ذلك من آفات اللسان . وذلك محض الغرور . ولعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجرة النسخ لما يكتبونه من هذيانه الذي زاد على تسبيحه ، لكان عند ذلك يكفّ لسانه ، حتى عن جملة من مهماته . وما نطق به في فتراته كان يعدّه ويحسبه ويوازيه بتسبيحاته ، حتى لا يفضل عليه أجرة نسخه ، فيا عجبا لمن يحاسب نفسه ، ويحتاط خوفا على قيراط يفوته في الأجرة على النسخ ، ولا يحتاط خوفا من فوت الفردوس الأعلى ونعيمه ، وما هذه إلا مصيبة عظيمة لمن تفكر فيها ، فقد دفعنا إلى أمر . إن شككنا فيه كنا من الكفرة الجاحدين ، وإن صدقنا به كنا من الحمقى المغرورين ، فما هذه أعمال من يصدّق بما جاء به القرآن ، وإنّا نبرأ إلى اللّه أن نكون من أهل الكفران . فسبحان من صدّنا عن التنبه واليقين ، مع هذا البيان . وما أجدر ممن يقدر على تسليط مثل هذه الغفلة والغرور على القلوب ، أن يخشى ويتّقى ولا يغترّ به ، اتكالا على أباطيل المنى ، وتعاليل الشيطان والهوى . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) سورة ق ، الآية : 18 .